ابن تيميه

182

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

الصحابة ، فإنهم لم يكونوا يسلّمون عند وجهه . وما ذكره القاضي عياض عن أنس بن مالك لا يدل على هذا القول ، بل يدل على قول أبي حنيفة ؛ فإنه ذكر عن بعضهم قال : رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة فسلم على النبي صلى اللّه عليه وسلّم ثم انصرف . فقول الراوي : إنه رفع يديه حق ظننت أنه افتتح الصلاة ؛ دليل على أنه كان مستقبل القبلة ، فإن المصلي لا بد أن يستقبلها ، ولو كان يستقبل الحائط من ناحية القبلة أو من الغرب لم يظن أنه يصلي ، فإن أحدا لا يصلي إلى الشمال ، ولا إلى الشرق ، لكن روى القاضي إسماعيل بن إسحاق في المصنف الذي له في « فضل الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلّم » قال : حدّثني إسحاق بن محمد الفروي حدّثنا عبيد اللّه بن عمر حدّثنا نافع : أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر صلّى السجدتين في المسجد ، ثم أتى النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم فيضع يده اليمنى على قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، ويستدبر القبلة ، ثم يسلّم على النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، ثم يسلم على أبي بكر وعمر « 1 » . فهذه الرواية فيها نظر ، فإن فيها خلاف ما قد جاء عن مالك وأحمد من فعل ابن عمر أنه كان يدنو إلى القبر ولا يمسه . وحديث ابن عمر هذا رواه مالك عن نافع وعن عبد اللّه بن دينار ، ورواه عن نافع أيوب السختياني وغيره ، وعن أيوب حماد بن زيد ومعمر . وقد ذكر ذلك مالك وغيره أنه لا يمس القبر ، وكذلك كان سائر علماء المدينة . وكذلك قال أحمد أن ابن عمر فعل ذلك . قال أبو بكر الأثرم : قلت لأحمد بن حنبل : قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم يمسّ ويتمسّح به ؟ فقال : ما أعرف هذا . قلت له : فالمنبر ؟ قال : أما المنبر فنعم قد جاء فيه - قال أبو عبد اللّه - شيء يروونه عن ابن أبي فديك ، عن ابن أبي ذئب ، عن ابن عمر أنه كان يمسح على المنبر ، وقال : ويروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة . قلت : ويروونه عن يحيى بن سعيد أنه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا فرأيته استحسنه ، ثم قال : لعله عند الضرورة والشيء . قيل لأبي عبد اللّه : إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر . وقلت له : رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يرونه ، ويقومون ناحية فيسلمون عليه . فقال أبو عبد اللّه : نعم ؛ وهكذا كان ابن عمر يفعل ، ثم قال أبو عبد اللّه : بأبي وأمي صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم تسليما .

--> ( 1 ) أخرجه القاضي إسماعيل برقم ( 101 ) . وقال الشيخ الألباني هناك : « إسناده موقوف ضعيف ، وقوله : « ويضع يمينه على قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم » منكر ؛ تفرّد به عبد اللّه بن عمر هذا ، عن نافع ؛ وهو العمري المكبر ، وهو ضعيف . والراوي عنه إسحاق بن محمد ؛ هو : الفروي ، وهو وإن كان روى له البخاري ؛ ففيه ضعف ، قال أبو حاتم : « كان صدوقا ، ولكن ذهب بصره فربما تلقن ، وكتبه صحيحة . وقال مرة : يضطرب » ووهّاه أبو داود جدا . فهذه الزيادة المنكرة منه أو من شيخه » اه .